أحمد بن محمد القسطلاني
232
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الطبري : والعجب ممن يحمل قوله ولا حرج على نفي الإثم فقط يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض ، فإن كان الترتيب واجبًا بتركه دم فليكن في الجميع ، وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج اه - . وقال أبو حنيفة : عليه دم وإن كان قارنًا فدمان . وقال محمد وأبو يوسف : لا شيء عليه لقوله عليه الصلاة والسلام " لا حرج " واحتجوا لأبي حنيفة بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث ابن عباس أنه قال : من قدم شيئًا من حجه أو أخره فليهرق لذلك دمًا . وأجابوا عن حديث الباب بأن المراد بالحرج المنفي هو الإثم ولا يستلزم ذلك نفي الفدية . وهذا الحديث أخرجه المؤلّف من أربعة طرق ومن ستة أوجه كما ترى . 1724 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ " قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ فَقَالَ : أَحَجَجْتَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : بِمَا أَهْلَلْتَ ؟ قُلْتُ : لَبَّيْكَ بِإِهْلاَلٍ كَإِهْلاَلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ : أَحْسَنْتَ ، انْطَلِقْ فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ بَنِي قَيْسٍ فَفَلَتْ رَأْسِي ، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالْحَجِّ ، فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ النَّاسَ حَتَّى خِلاَفَةِ عُمَرَ - رضي الله عنه - ، فَذَكَرْتُهُ لَهُ فَقَالَ : إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ ، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ " . وبه قال : ( حدّثنا عبدان ) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة عن أبي روّاد واسم أبي روّاد ميمون قال : ( أخبرني ) بالإفراد ( أبي ) هو عثمان ( عن شعبة ) بن الحجاج ( عن قيس بن مسلم ) الجدلي بفتح الجيم ( عن طارق بن شهاب ) هو ابن عبد شمس البجلي الأحمسي الكوفي قال أبو داود : رأى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يسمع منه ( عن أبي موسى ) الأشعري ( - رضي الله عنه - قال : قدمت على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو بالبطحاء ) بطحاء مكة ( فقال ) لي : ( أحججت ) ؟ قلت : نعم . قال : ( بما ) بإثبات ألف ما الاستفهامية مع دخول الجار عليها وهو قليل ، ولابن عساكر : بم بحذفها ( أهللت قلت : لبيك بإهلال كإهلال النبي ) وفي باب من أحرم في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلت : أهللت كإهلال النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : أحسنت ) وفيه استحباب الثناء على من فعل جميلاً " انطلق فطف بالبيت وبالصفا والمروة " فأمره بالفسخ إلى العمرة ولم يذكر الحلق لأنه عندهم معلوم . ( ثم أتيت امرأة من نساء بني قيس ) أي فطفت ثم أتيت المرأة ( ففلت رأسي ) استخرجت القمل منه والفاء الأولى للتعقيب والثانية من نفس الكلمة واللام مخففة ، ( ثم أهللت بالحج ) أي بعد أن تحللت من العمرة فصار متمتعًا لأنه لم يكن معه هدي ، ( فكنت أفتي به الناس ) أي بالتمتع بالعمرة إلى الحج الذي دل عليه السياق ( حتى ) أي إلى ( خلافة عمر - رضي الله عنه - فذكرته له فقال : إن نأخذ بكتاب الله فإنه يأمرنا بالتمام ) زاد في باب : من أحرم في زمن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال الله تعالى : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } [ البقرة : 196 ] ( وأن نأخذ بسنّة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يحل ) من إحرامه ( حتى بلغ الهدي محله ) بكسر الحاء وهذا موضع الترجمة لأن بلوغ الهدي محله يدل على ذبح الهدي ، فلو تقدم الحلق عليه لصار متحللاً قبل بلوغ الهدي محله وهذا هو الأصل وهو تقديم الذبح على الحلق وأما تأخيره فهو رخصة والله أعلم . 126 - باب مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ عِنْدَ الإِحْرَامِ وَحَلَقَ ( باب من لبد رأسه ) بتشديد الموحدة أي شعره وهو أن يجعل فيه ما يمنعه من الانتتاف كالصمغ في الغاسول ثم يلطخ به رأسه ( عند الإحرام وحلق ) أي رأسه بعد ذلك عند الإحلال ، والجمهور على أن من لبد رأسه وجب عليه الحلق كما فعل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبذلك أمر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الناس والصحيح عند الشافعية أنه مستحب . 1725 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ - رضي الله عنهم - أَنَّهَا قَالَتْ " يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ قَالَ : إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي ، فَلاَ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ " . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي قال : ( أخبرنا مالك ) الإمام ( عن نافع ) مولى ابن عمر ( عن ابن عمر عن حفصة ) أم المؤمنين ( - رضي الله عنهم - أنها قالت : يا رسول الله ما شأن الناس حلوا ) من الحج ( بعمرة ولم تحلل ) بكسر اللام الأولى ( أنت من عمرتك ؟ ) التي مع حجتك ، وقيل : من بمعنى الباء أي بعمرتك ، وضعفه ابن دقيق العيد من جهة أنه أقام حرفًا مقام حرف وهي طريقة كوفية . وأجيب : بأنه ورد في قوله تعالى : { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } [ الرعد : 11 ] أي بأمر الله ( قال ) : ( إني لبدت رأسي وقلدت هدي ) بوضع القلادة في عنقه : ( فلا أحل ) بفتح الهمزة وكسر الحاء من إحرامي : ( حتى أنحر ) الهدي يوم النحر . وليس في هذا الحديث ذكر الحلق المذكور في الترجمة ، فقيل : إنه معلوم من حاله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه في حجة الوداع حلق رأسه كما